بقلم / علي عبد الملك الشيباني

_____________________________

لايمكن لي ان انسى , ماعلق بذاكرتي من مشاهد مٱساوية مضى عليها 39 عاما , تضمنها فيلم وثائقي عن حصار خانق لمدينة لينينجراد الروسية خلال الحرب العالمية الثانية من قبل الالمان والذي استمر لثلاث سنوات متتالية . حيث خصص لكل فرد في المدينة ونتيجة لذلك 200 جرام من الخبز في اليوم , وهي كمية لاتفي بحاجة الانسان لوجبة واحدة . شاهدنا كيف كان الناس يسيرون في الشوارع ثم يسقطون فحٱة موتى بين الثلج من شدة الجوع , ليحضر بعدها عمال لحملهم على عربات يدوية وقد تخشبوا من شدة البرد الى بخارات حديدية واسعة مليئة بالجثث المرصوصة حتى السقوف . مناظر مؤلمة وموجعة الى حد ذرفي وزملائي للدوع . كان ذلك في العام 84 اثناء دراستنا في الكلية التحضيرية للغة الروسية في معهد مادي بموسكو .استمرت الحرب لخمس سنوات , بعد ان بلغ اجمالي عدد ضحاياها مايتجاوز 50 مليون انسان , نصف هذا العدد دفعه الاتحاد السوفيتي لوحده كثمن لانتصارة وكل الشعوب الاوروبية التي طالها الغزو الالماني .لم تتوقف اطراف الحرب وبعد سقوط النظام الفاشي الالماني عند النتائج المٱساوية التي ترتبت عليها , من حيث الخسارة البشرية الضخمة او ماخلفته من الدمار في البنى المدنية والعسكرية , بل ذهبت للبحث والاعلان عن اشكال اقتصادية وسياسية تؤطر مصالح هذه الدول , بما في ذلك مسار العلاقات بين المعسكرين الاشتراكي والرٱسمالي , المحكوم في جزء كبير منه بطبيعة القدرات العسكرية النووية المعروفة بينهما.لم تٱسرهم تلك المواجع ولم يتوقفوا عندها , ولم تشكل مصدر لتحديد طبيعة العلاقات مع المانيا وحصارها كرد فعل لعدوانها , بل نظروا للنازية المهزومة في الحرب مجرد نظام سياسي نازي حاكم , وحده من يتحمل مسؤلية ماجرى وليس الشعب الالماني , والذي صارت دولته بعد ذلك واحدة من دول الاتحاد الاوروبي .نسوا تلك الجرائم البشعة وذلك العدد المهول من الضحايا وذلك الدمار الشامل لبنى المجتمعات المشمولة والمشاركة في الحرب وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي تفرغوا لتطوير صناعاتهم وزيادة الانتاج على جميع اصعدة حياة الانسان وحاجاته , وبما رفع من مستويات مداخيلهم وتحسين حياتهم وضمان خدماتهم اليومية , بما وفر لهم الحياة السعيدة والهنيئة , بعد ان غزوا العالم اقتصاديا وسياسيا بسلطان العلم والمعرفة والسير على منهج محكوم بطبيعة المصالح بين شعوبهم .بالمقابل مازال عرب الحيض والنفاس محكومون ويعيشون على مترتبات حرب معركة صفين بين علي ومعاوية على كرسي الحكم , مضى عليها الف واربعمائة عام ولم يتجاوز ضحاياها عشرة الف انسان.1400سنة من استحضار الماضي بما يفرق الناس من التموضعات المذهبية وما يترتب عليها من الحروب والفرقة وتجذير الخصومات , كما نشاهد ونعيش اليوم في اكثر من قطر عربي , بما فيها اليمن والتي لم نكن نتوقع يوما ان تلتحق بهذا النوع من الصراعات . حروب ودماء وجوع وتخلف بحيث قدموا الاسلام كمصدر للفرقة وكذا الجامع بخطابه المفرق للناس , في اساءة وجرم واضح وفاضح وجلي لديننا الاسلامي ووصولنا الى مانحن عليه من الدمار , وبقاءنا وثرواتنا المتنوعة والغزيرة العوبة بٱيدي القوى الدولية المستفيدة من اوضاعنا المهينة والمعيبة بحقنا وتاريخنا وديننا.هذا هو الفرق اذا بين شعوب عابرات القارات والاسلحة النووية , وبين شعوب الخيل والليل والبيداء تعرفني .بين شعوب الايفون وثورة المعلومات والاتصالات , وبين شعوب الحيض والنفاس وشروط النجاسة , بعد ان غاب المشروع الوطني الجامع لبناء الدولة المدنية الحديثة , وحضرت مكانها مشاريع المذهب والسلالة والقبيلة والمنطقة والاسرة .