رغم الظروف الصعبة، استمر الرياضيون اليمنيون في المشاركة في البطولات الآسيوية والدولية والأولمبية، وهو أمر لا ينبغي التقليل من قيمته. فمجرد الاستمرار في تمثيل اليمن في المحافل الدولية، في ظل ضعف الإمكانات، وتضرر المنشآت، وانقطاع المنافسات المحلية، يمثل صورة من صور الصمود الرياضي. لكن يجب التفريق بين الحضور الدولي والقدرة على المنافسة وتحقيق الميداليات؛ فالهدف من التقييم ليس احتساب المشاركات فقط، وإنما قياس ما إذا كانت المشاركة تتحول إلى إنجاز.
7. ظهور مواهب جديدة في الألعاب الفردية
شهدت السنوات الأخيرة استمرار ظهور مواهب يمنية في ألعاب مثل: الجودو، ألعاب القوى، التايكوندو، الووشو، الكوراش، وغيرها. وفي دورة الألعاب الآسيوية للشباب 2025م، سجل الجودو اليمني حضوراً إيجابياً، ومن ذلك حصول اللاعب اليمني محمد يونس على المركز الثالث في وزن 50 كجم وفق سجل الاتحاد الدولي للجودو. وهذه المؤشرات تؤكد أن الاستثمار في الألعاب الفردية قد يكون أحد أكثر المسارات واقعية لرفع مستوى الإنجاز اليمني مستقبلاً.
8. الرياضة حافظت على مساحة من الحضور الوطني
رغم الانقسام السياسي والجغرافي الذي أصاب البلاد، ظلت المنتخبات والفرق والرياضيون اليمنيون يمثلون اليمن في المحافل الخارجية. وهذه قيمة تتجاوز النتيجة الرياضية نفسها؛ فالرياضة تستطيع أن تكون مساحة جامعة، وهوية وطنية، وجسراً بين أبناء البلد. لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب أن تبقى المؤسسات الرياضية بعيدة عن الاستقطاب، وأن تكون المصلحة الرياضية والوطنية فوق الحسابات الشخصية والسياسية.
ثانياً: الإخفاقات المؤلمة التي يجب أن نعترف بها
1. عدم تحويل إنجاز 2002–2003 إلى مشروع مستدام
ربما تكون هذه أهم فرصة ضائعة خلال الـ26 عاماً. منتخب يصل إلى نهائي آسيا ويتأهل إلى كأس العالم، ثم لا يتحول ذلك النجاح إلى منظومة وطنية مستمرة لإنتاج أجيال جديدة. لقد نجحنا في صناعة جيل، لكننا لم ننجح بالقدر الكافي في صناعة نظام ينتج الأجيال. وهذه هي الفجوة الحقيقية بين الإنجاز الفردي والإنجاز المؤسسي.
2. غياب المنتخب الأول عن كأس العالم
بحسب الفيفا، خاض اليمن 11 حملة في تصفيات كأس العالم حتى نسخة 2026م، لكنه لم يصل إلى النهائيات. أما المشاركة اليمنية الوحيدة في كأس العالم فكانت لمنتخب تحت 17 سنة عام 2003م. ولا ينبغي اعتبار عدم التأهل وحده إخفاقاً مخزياً؛ فالتأهل إلى كأس العالم ليس أمراً سهلاً على أي دولة. لكن المشكلة تكمن في غياب التطور التراكمي الذي يجعل المنتخب يقترب بصورة مستمرة من المستويات الآسيوية العليا.
3. محدودية الإنجاز الأولمبي
رغم استمرار المشاركات الأولمبية، لم تتحول هذه المشاركات إلى ميدالية أولمبية. وهنا يجب ألا نلوم الرياضي الذي يصل إلى الأولمبياد بإمكانات محدودة، وإنما نسأل: هل تم اختيار الألعاب ذات فرص الميداليات؟ هل بدأ الإعداد في سن مبكرة؟ هل توفرت برامج طويلة المدى؟ هل توفرت التغذية والطب الرياضي؟ هل حصل اللاعب على احتكاك دولي كافٍ؟ هل استمرت رعايته بعد البطولة؟ فالإنجاز الأولمبي لا يصنعه معسكر قصير قبل البطولة، بل مشروع يمتد لسنوات.
4. ضعف الحصيلة الآسيوية
تكشف أرقام المجلس الأولمبي الآسيوي أن رصيد اليمن في الألعاب الآسيوية ظل محدوداً جداً؛ ميداليتان فقط، وكلتاهما برونزيتان في 2002 و2006. وهذا يعني أن هناك فجوة كبيرة بين عدد المشاركات ونوعية النتائج. وهذه الفجوة يجب أن تكون أحد أهم أهداف الإصلاح الرياضي.
5. الحرب وتدمير البنية التحتية
لا يمكن تقييم الرياضة اليمنية منذ 2015م دون الاعتراف بحجم الأثر الذي خلفته الحرب. وبحسب أرقام أعلنتها وزارة الشباب والرياضة اليمنية في أغسطس 2026م، تم تدمير 115 منشأة شبابية ورياضية في 15 محافظة، مع تقدير الخسائر المباشرة بأكثر من مليار دولار. وهذه أرقام صادرة عن جهة رسمية يمنية، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها بياناً رسمياً يحتاج إلى توثيق ومطابقة مستقلة عند استخدامه في الدراسات النهائية.
والنتيجة لم تكن خسارة مبانٍ فقط، بل شملت: توقف مسابقات، وفقدان ملاعب وصالات، وتراجع برامج الفئات العمرية، وصعوبة إعداد المنتخبات، وارتفاع كلفة المشاركة الخارجية، وفقدان بيئة التدريب الطبيعية للرياضيين. وهنا يجب التأكيد: الحرب تفسر جزءاً كبيراً من التراجع، لكنها لا تلغي مسؤولية المؤسسات عن التخطيط للتعافي وإعادة البناء.
ثالثاً: الإخفاق المؤسسي
1. ضعف الحوكمة
المشكلة الأعمق ليست في خسارة مباراة، بل عندما تصبح المؤسسة عاجزة عن: التخطيط، التقييم، المتابعة، المحاسبة، إعداد التقارير، إدارة الموارد، بناء الكفاءات، تجديد القيادات، وحماية المواهب. فالرياضة الحديثة لا تقوم على الأشخاص مهما كانت خبراتهم، وإنما على لوائح، مؤسسات، اختصاصات، رقابة، بيانات، وتقييم أداء.
2. ضعف الإدارة المالية والاستثمار
تعاني الرياضة اليمنية من محدودية الموارد، لكن محدودية الموارد لا تعني بالضرورة غياب الإدارة الرشيدة. السؤال الصحيح ليس فقط: كم لدينا من المال؟ بل: كيف نستخدم ما لدينا؟ وهل توجد أولويات واضحة؟ وهل نعرف تكلفة كل برنامج؟ وهل نربط الإنفاق بالنتائج؟ وهل توجد تقارير مالية دورية؟ وهل يعرف أصحاب القرار ماذا تحقق مقابل كل مورد تم إنفاقه؟
3. ضعف المؤسسية في عدد من الأندية
النادي ليس فريق كرة قدم فقط، بل هو مؤسسة يفترض أن تمتلك: جمعية عمومية فاعلة، نظاماً أساسياً واضحاً، هيئة إدارية مؤهلة، جهازاً فنياً، جهازاً طبياً، نظاماً مالياً، قاعدة بيانات للاعبين، برامج للفئات العمرية، موارد واستثمارات، وخطة سنوية.
ومن هنا فإن إصلاح الأندية يبدأ من إصلاح الجمعيات العمومية، لأنها نقطة البداية في سلسلة الإصلاح:
جمعيات عمومية واعية ونزيهة ← هيئات إدارية مؤهلة ← أندية مؤسسية ← اتحادات أكثر كفاءة ← منتخبات أفضل ← رياضة أكثر استدامة.
رابعاً: ما الذي لا يجوز أن نخلطه؟
من الخطأ وضع كل الإخفاقات في سلة واحدة. فهناك إخفاقات سببها الحرب والدمار، وهناك إخفاقات سببها محدودية الموارد، وهناك إخفاقات سببها ضعف التخطيط والإدارة والحوكمة، وهناك نتائج طبيعية في المنافسة الرياضية كخسارة مباراة أو بطولة. والفصل بين هذه المستويات ضروري حتى يكون التقييم عادلاً.
خامساً: الحكم على 26 عاماً
بعد النظر إلى الفترة كاملة، يمكن تلخيص الصورة في ستة أحكام:
1. الموهبة اليمنية موجودة، والدليل جيل 2002–2003، وظهور المواهب في الألعاب الفردية، واستمرار النتائج المتفرقة حتى 2026م.
2. الرياضي اليمني أكثر نجاحاً من المنظومة التي يعمل داخلها، وهذه حقيقة ينبغي أن تكون نقطة انطلاق للإصلاح.
3. الإنجازات الكبيرة كانت متقطعة؛ ظهرت لحظات استثنائية، لكنها لم تتحول غالباً إلى مسار تراكمي.
4. الحرب ضاعفت الأزمة، ولا يمكن تجاهل حجم أثرها على المنشآت والمسابقات والتدريب والتمويل.
5. الحرب ليست التفسير الوحيد؛ فبعض الاختلالات الإدارية والمؤسسية أقدم من الحرب، واستمرارها يعني أن المعالجة يجب أن تكون مؤسسية لا مؤقتة.
6. المشكلة الأساسية ليست نقص المواهب، بل ضعف القدرة على: اكتشاف الموهبة، تطويرها، حمايتها، منحها المنافسة، تحويلها إلى إنجاز، ثم إعادة إنتاج الإنجاز.