بقلم / عادل حويس 

في قلب المعاناة التي طالما أثقلت كاهل الأرض ومن بين ركام سنوات التوقف الطويلة التي غيبت بريق المستطيل الأخضر يبرز المشهد الرياضي اليمني اليوم كأعظم تظاهرة اجتماعية ترفض الاستسلام لليأس حيث تحولت مدرجات الملاعب إلى ساحات للاحتفاء بالحياة واحتشدت الجماهير خلف شغفها الذي لم ينطفئ يوما رغم قسوة الظروف وعثرات الزمن. لم يكن انتظار عودة الدوري اليمني مجرد ترقب لحدث رياضي عابر بل كان انتظارا يشبه لهفة الغائب لعودة الديار ومناجاة المحب لغد أكثر إشراقا فالمدرجات التي اهتزت بهتافات الآلاف لم تنبض فقط لتشجيع فريق أو الاحتفاء بهدف بل كانت تنبض بحلم جماعي يتجاوز حدود المنافسة باحثة في كل صافرة بداية عن بصيص أمل يعيد ترتيب شتات الوجع ويؤكد أن إرادة البقاء أقوى من كل الصراعات.إن هذا الاندفاع الجماهيري المهيب الذي غصت به الملاعب من أقصى اليمن إلى أقصاه يبعث برسالة بليغة تتعدى حدود الميدان مفادها أن الجمهور الرياضي في اليمن ليس مجرد متابع للكرة بل هو حارس الروح الوطنية وحامل لواء التطبيع والتعافي فعلى عتبات الملاعب تذوب كل الفوارق وتتلاشى التباينات التي فرضتها تعقيدات الواقع لتتحول الكرة إلى تلك الأيقونة السحرية التي تلم الشمل وتجمع ما فرقته السياسة في مشهد يعجز البيان عن وصف دلالاته العميقة. هؤلاء الذين افترشوا الإسمنت تحت وهج الشمس وتسلقوا الجدران لمشاهدة مباراة لم يأتوا بدافع الرياضة فحسب بل جاؤوا ليعلنوا للعالم أن استقرار الوطن يبدأ من هنا من هذه اللحظة التي تتوحد فيها القلوب خلف قميص واحد أو نشيد واحد مؤكدين أن الساحات الرياضية باتت اليوم هي الرئة الوحيدة التي يتنفس من خلالها شعب يصر على انتزاع فرحته من أنياب المستحيل لتبقى أقدام اللاعبين هي الأداة الأكثر صدقا في صياغة خطاب الوحدة والمحبة معيدة صياغة المشهد الوطني بلغة الأمل والانتصار للحياة.