في المدرجات لم يكن مجرد طفل عابر بين الجماهير، بل كان حكاية كاملة تمشي على قدمين صغيرتين فوق أرض حارقة، وكأنها تختبر صدق الانتماء في قلبه الصغير.طفلٌ حافي القدمين تلسعه حرارة الأرض، لكنّه لا يلتفت للألم. يده مكسورة ومجبّرة، ومع ذلك يرفع راية تضامن حضرموت بيده السليمة بكل ما يملك من قوة، وكأن الراية أخف من الجبيرة وأقوى من الوجع.والأجمل أن الجبيرة نفسها كانت تحكي قصة عشق لا تشبه غيرهافوق ذلك الكسر الصغير كُتب شعار ناديه: “لن تمشي وحيداً.” وكأن العبارة لم تكن مجرد كلمات على يد مجبّرة، بل عهد كامل بين طفلٍ وناديه.هو مكسور اليد، نعم لكن قلبه كان ممتلئاً بالقوة، لأنّه يشعر أن خلف هذا الشعار جماهير ومدينة كاملة تقف معه في نفس الطريق.حتى جبيرته لم يتركها بيضاء صامتة، حوّلها إلى راية أخرى، إلى مساحة يعلن فيها أن الانتماء الحقيقي لا توقفه إصابة، ولا تمنعه الظروف، ولا تُسقطه المعاناة.يهتف ...يصفق…ويقفز فرحاً مع كل هجمة، وكأن التعب لا يعرف طريقه إليه.ساعة تجده واقفاً بين المدرجات، وساعة أخرى فوق أكتاف أخيه الذي حمله كما يحمل الإنسان شيئاً عزيزاً يخشى عليه من السقوط.وأحياناً يتكئ على جسد أخيه متعباً، لكن عينيه تبقيان معلقتين بالملعب، لا تريدان أن يفوته أي تفصيل.ذلك الطفل لم يكن يشجع فريقاً فقط، بل كان يرسل رسالة عظيمة دون أن ينطق بها: “لن يسقط نادٍ يعشقه الصغير قبل الكبير”.في زمن أصبحت فيه بعض الانتماءات مرتبطة بالنتائج والانتصارات، يأتي هذا الطفل ليعيد تعريف الوفاء الحقيقي. فالعشق الصادق لا تقاس قوته بالعمر، ولا تُضعفه الجبائر، ولا تمنعه حرارة الأرض، ولا يوقفه التعب.فقد ينسى الناس نتيجة مباراة، وقد تمر السنوات وتتغير الأسماء والنجوم، لكن مشهد طفل مكسور اليد، حافي القدمين، يرفع راية ناديه بكل هذا الحب، سيبقى واحداً من أنقى مشاهد الوفاء التي يمكن أن تُرى في مدرجات كرة القدم.لأن الأندية العظيمة لا تبنى فقط بالبطولات، بل تُبنى أيضاً بقلوب الصغار الذين يحبونها بهذا الجنون الجميل.