بقلم / عادل حويس

في وطن أنهكته الحروب وأثقلته الأزمات المتلاحقة وغدت فيه الفرحة عملة نادرة يتلمس الناس تفاصيلها في عتمة الواقع يظل الرياضي اليمني واحدا من أولئك الفرسان الذين يقاومون اليأس بصمت كبرياء نبيل يحملون على أكتافهم المثقلة أحلام ملايين البشر يركضون في الملاعب بقلوب تنبض بحب الأرض والإنسان دون أن ينتظروا في المقابل الكثير.. غير أن أكثر ما يؤلم في هذه المسيرة الشاقة ليس قسوة الظروف الطبيعية ولا شح الإمكانات الذي بات قدرا محتوما بل ذلك الشعور المرير بالنكران حين يتحول الإنجاز العظيم إلى مجرد مناسبة عابرة في شريط الذكريات ويصبح صانع الفرح الحقيقي آخر من يلتفت إليه الجميع وكأنه غريب في ساحة العيد..مرة أخرى يقف لاعبو المنتخب الوطني الأول لكرة القدم أمام مشهد مؤلم يتكرر بصورة تكاد تكون نسخة طبق الأصل من سنوات خلت مشهد تراجيدي لا يليق بمنتخب يمثل اليمن العظيم في أكبر المحافل القارية ولا ينسجم مطلقا مع حجم الإنجاز التاريخي الذي تحقق ولا يعكس أدنى قيم التضحيات الجسيمة التي قدمها هؤلاء الشباب وهم يشقون طريقهم وسط ظروف استثنائية تكاد تكون الأقسى والأعقد على مستوى المنطقة والعالم بأسره إن التأهل إلى نهائيات كأس آسيا لم يكن يوما حدثا عاديا أو نتيجة عابرة جاءت بها ضربة حظ في ليلة ماطرة بل كان ثمرة مخاض طويل من المعاناة وإصرار نادر من لاعبين يعيش معظمهم ظروفا معيشية بالغة القسوة ويحملون فوق كواهلهم مسؤوليات أسرية وضغوطا حياتية لا تنتهي هؤلاء الأبطال لم يتوفروا على معسكرات تدريبية مثالية ولم تحظ مسيرتهم بإمكانات تضاهي ربع ما يتوفر لمنافسيهم في المجموعات ولم يدخلوا غمار المنافسة وهم متفرغون تماما للمستطيل الأخضر بل خاضوا رحلتهم الشاقة وهم مثقلون بهموم الخبز والماء ومتطلبات البقاء اليومي ومع كل هذا الركام نجحوا في تحقيق ما عجزت عنه أجيال عديدة في ظروف أفضل وكتبوا فصلا ذهبيا جديدا في تاريخ الكرة اليمنية مهدين شعبهم المكلوم لحظة فرح بيضاء في زمن شحت فيه الأخبار السعيدة.المفارقة الساخرة والموجعة في آن أن هذا الإنجاز الكبير لم يلق حتى اللحظة ما يستحقه من احتفاء وتقدير رسمي أو مجتمعي ملموس وكأن ما تحقق في ملاعب القارة كان أمرا اعتياديا لا يستوجب عناء الوقوف عنده أو الالتفات إليه والحقيقة العارية التي يصعب تجاهلها أو القفز عليها هي أن هناك حالة واضحة وصادمة من التفاوت والازدواجية في التعامل مع المنتخبات الوطنية فعندما تحقق منتخبات الفئات العمرية والناشئين إنجازا ما تتسابق الجهات المختلفة رسمية وتجارية إلى منصات التكريم وتفتح أبواب الدعم المغلقة وتنهال المبادرات من رجال المال والأعمال وتتحول المناسبة إلى عرس وطني واسع الحضور صاخب الأضواء وهذا أمر إيجابي ومستحق بكل تأكيد فكل إنجاز يحمل اسم اليمن يستوجب الانحناء له تقديرا لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح مرير: لماذا يغيب هذا الحماس الجارف وتتبخر تلك التبرعات السخية عندما يتعلق الأمر بالمنتخب الوطني الأول؟ ولماذا يتراجع الاهتمام وتخفت الأصوات حين يكون الإنجاز صادرا عن المنتخب الذي يمثل قمة الهرم الكروي والواجهة السيادية للرياضة اليمنية؟ ولماذا يترك لاعبوه في كل مرة ليواجهوا النسيان والخذلان بمفردهم؟في كل أصقاع الأرض ينظر إلى المنتخب الأول باعتباره العنوان الأبرز للهوية الرياضية والمرآة المصقولة التي تعكس تطور البلاد وحضورها الدولي. هناك يحظى اللاعب بالرعاية الكاملة والتقدير المعنوي والمادي الذي يليق بسفير يحمل راية بلاده ويمثل صورتها أمام العالم. أما في المعادلة اليمنية المقلوبة فيبدو أن على اللاعب أن يقدم المعجزات ويصنع المستحيل من عدم دون أن يحصل حتى على الحد الأدنى من الاهتمام والإنصاف ولعل أكثر ما يكشف حجم هذه المأساة الصامتة هو ذلك البيان الصادم الذي أصدره لاعبو المنتخب مؤخرا لم يكن ذلك البيان مجرد احتجاج عابر على مكافأة أو معسكر بل كان صرخة ألم مكتومة خرجت من قلوب أنهكها الانتظار الطويل ورسالة عتب موجعة تختزل سنوات من الخذلان المتراكم والإحساس بأن العرق والدموع في هذا الوطن لا يكفيان أحيانا لنيل أبسط الحقوق.إن اللاعب اليمني ليس آلة صماء صنعت لإنتاج الانتصارات وضخ الفرح في قلوب الآخرين ثم تركن على رصيف الإهمال هو إنسان من لحم ودم يعيش تفاصيل هذا الواقع القاسي بكل ما فيه من أعباء وضغوط خانقة. هو أب وأخ وابن ورب أسرة يواجه تحديات المعيشة ذاتها التي يواجهها ملايين اليمنيين وعندما يستبسل رغم كل هذا الشتات ليرفع اسم بلاده عاليا فإن أقل ما يستحقه هو الوفاء بالوفاء.إن ما تحقق من تأهل تاريخي يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية لتصحيح هذا الخلل البنيوي وفرصة لإعادة الاعتبار لهؤلاء الأبطال فتكريمهم اليوم ليس منة من أحد،د وليس مجرد احتفال بروتوكولي عابر تنتهي مفاعيله بانتهاء التقاط الصور بل هو واجب وطني وأخلاقية إنسانية تحتم على المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال والجهات الرسمية والمجتمع قاطبة التحرك العاجل لترجمة كلمات الثناء إلى أفعال ومواقف مادية ومعنوية تليق بحجم الإنجاز. إن أبطال اليمن اليوم لا يطلبون ترفا ولا امتيازات استثنائية بل يطلبون الإنصاف والعدالة يريدون فقط أن يشعروا بأن تضحياتهم لم تذهب سدى وأن الوطن الذي أسعدوه في محنته لا يتركهم للريح عند أول منعطف فالأمم التي لا تكرم صناع مجدها تفقد يوما القدرة على صناعة أي مجد جديد.