مونتيري..هذه المدينة المكسيكية المرتفعة..لازالت تسكن أعمق أعماق تلافيف الذاكرة.. هذه المدينة ذات المناخ الحار والرطوبة العالية لا تبارح الذاكرة..أول فرحة عربية مونديالية ترتبط بهذه المدينة..قبل أربعين عاما احتضنت حلما عربيا ملونا بالأحمر والأخضر..وزعت في سخاء فرحا طاغيا لف شريط الوطن العربي من أدناه إلى أقصاه..تذكرون بالطبع مونديال 1986..تذكرون كيف تعامل الجميع مع منتخب المغرب على أنه سمكة ملونة يسهل بلعها.. تذكرون أن مونتيري منحت المغرب قوة جبارة..السمكة استحالت إلى حوت ابتلع أسماك قرش مجموعة الموت التي ضمت وقتذاك إنجلترا وبولندا والبرتغال..مونتيري بسحرها خرج من قمقمها المنتخب المغربي ماردا..تصدر المجموعة من تعادلين مع بولندا وإنجلترا ثم فوز عريض صاخب على البرتغال بثلاثة أهداف لواحد.. مونتيري منحت المغاربة تأشيرة بلوغ الدور الثاني..كأول إنجاز عربي وإفريقي..غدا..تتلهف القلوب..نيمم الأنظار والأبصار صوب مونتيري من جديد..هذه المرة يستنجد العراقيون بسحرها..يتمنون أن تجود عليهم بتميمة عبور منتخب بوليفيا... بعد أربعين عاما تعود مونتيري إلى الواجهة..لكنها واجهة مصيرية شعارها: أكون أو لا أكون.. صبيحة الأربعاء سيكون قلب ملعب مونتيري ينبض فعليا بستة وأربعين مليون قلب عراقي..مباراة ترتكز على حسن إدارة غراهام آرنولد لها..وقدرته على انتزاع لاتينية بوليفيا من جلدها..منتخب بوليفيا يعتمد على الجانب المهاري أكثر..يصاب دائما باستعصاء تكتيكي أمام منتخب يراهن على القوة البدنية والجسمانية.. إذا نجح لاعبو العراق في فرض إيقاعهم البدني على إيقاع الاستحواذ السلس لبوليفيا فإن هذا الأخير سيفقد هويته تماما..إذا قرر غراهام آرنولد تبني استراتيجية الكرة الأنجلوساكسونية ذات الأنفاس الضاغطة دفاعيا..فإن عليه أولا أن يفرغ منتخب بوليفيا من محتواه اللاتيني.. المباراة ستكون صراعا مريرا للغاية بين أفكار مدربين على النقيض تماما.. مدرب بوليفيا بعقلية الكرة البسيطة التي تستحوذ وتعتمد نهج التحضير الفني المتدرج.. ومدرب العراق بعقلية القوة البدنية والالتحامات الجسدية.. إذا تمكن غراهام آرنولد من تطويق منتخب بوليفيا بدنيا واستنزف لاعبيه ذهنيا وأجبرهم على خوض صراع بدني بدلا من الصراع الفني.. فإن كفة العراق أرجح.. نعم..هي مباراة أفكار..صراع أقدام قد تلعب على تفاصيل ذهنية بالدرجة الأولى..