° الزرانيق أكبر من الارتهان لإدارة فاشلة 

ومتاهات الفساد الاداري ؟!

° إهانة لتاريخ نادي عريق وصفعة لقيم الرياضة اليمنية الأصيلة ؟!

° رياضة اليمن بين الميزانيات وألم البطولات المزيفة ؟!

° بناء الابطال يحتاج الى تخطيط طويل المدى ودعم مستدام ومنافسات حقيقية ؟!

بقلم/ كفاح عادل 

في ذاكرة الكرة اليمنية ثمة أسماء تشكل علامات فارقة في مسارها وأهلي الحديدة أحد هذه العلامات التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الكرة في اليمن. لطالما كان هذا النادي مدرسة حقيقية لصناعة النجوم ومنارة تخرج منها عمالقة شكلوا وجدان أجيال وحملوا اسم تهامة بكل فخر وإباء. أسماء مثل أبو علي غالب، وعبدالرحمن سعيد وسالم سعيد وشنب حمادي ورامي عبدالرزاق ومحمد راوح وتيمومي الكابتن الراحل أنور عديني واحمد غالب المايسترو والكابتن حسين المجربي ... وغيرهم الكثيرين لم يكونوا مجرد لاعبين بل كانوا سفراء للمدينة وروحها الرياضية الأصيلة....لقد ظل أهلي الحديدة لعقود طويلة الرقم الصعب في المعادلة الكروية اليمنية الخصم العنيد الذي يقابل الكبار بندية تليق بتاريخه العريق الحاضنة التي تفجر مواهب اللاعبين وتصقلهم ليكونوا ركائز في أندية الوطن ومنتخباته. 

كان النادي يمثل حالة فريدة في المشهد الرياضي تجسدت في جماهيره الوفية وروحه التنافسية وإرثه التاريخي الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الكرة اليمنية....لكن المشهد اليوم يختلف تماما. فها هو النادي العريق يهوي إلى قاع الدرجة الثالثة في سقوط مأساوي لا يعكس مستوى النادي الحقيقي ولا يليق بجماهيره العريضة ولا يتناسب مع تاريخه المشرف.... هذا الهبوط المهين لم يكن نتيجة حتمية لظروف موضوعية ولا يمكن تفسيره بنقص الإمكانيات المادية بل هو محصلة طبيعية لسنوات من سوء الإدارة والفساد الإداري الذي أنهك جسد النادي العريق...الحقيقة المرة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن الهزيمة لم تكن في أرض الملعب بقدر ما كانت في مكاتب الإدارة. لقد شهد النادي في الفترة الأخيرة إدارة فاشلة تمارس عملها بعقلية فردية تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط الاستراتيجي وتخلو من الرؤية الواضحة لإنقاذ الكيان العظيم. كيف يمكن لناد بأمجاد أهلي الحديدة أن يدور في فلك التصفيات وهو بلا جهاز فني متكامل؟ كيف يقبل ممثل تهامة العريقة أن يسكن لاعبيه في غرف نادي آخر وكأنهم بلا مأوى ولا هوية؟ أين الكرامة التي طالما نادى بها النادي وتغنى بها أبناء تهامة؟ إن ما حدث ليس مجرد هبوط رياضي عابر بل هو إهانة مباشرة لتاريخ نادي عريق وصفعة لقيم الرياضة اليمنية الأصيلة. إنه انهيار لنموذج كان يجب أن يقتدى به وتحطيم لأسطورة كان من الواجب الحفاظ عليها. المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق شخص بعينه بل هي مسؤولية جماعية تشارك فيها الجميع: اللاعبون القدامى ومحبوا النادي والجماهير الغيورة وأبناء تهامة الأوفياء والجهات الرسمية المعنية...إن إنقاذ أهلي الحديدة من هذا المصير المؤلم يحتاج إلى صحوة حقيقية ووقفة جادة من كل من يهمه أمر هذا الصرح الرياضي الكبير. يجب أن تعلو الأصوات المطالبة بالإصلاح وأن تتحد الجهود لانتشال النادي من براثن الإدارة الفاشلة.... آن الأوان ليقف الجميع صفا واحدا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واستعادة المجد الضائع.فإما أن نرى نهضة حقيقية تعيد لأهلي الحديدة مكانته اللائقة بين الأندية اليمنية وإما أن نشهد نهاية مؤسفة لاسم صنع تاريخاً لن يتكرر....الخيار بين أيدينا جميعا والوقت ليس في صالحنا... إن أهلي الحديدة أكبر من أن يكون رهينة لإدارة فاشلة وأعظم من أن يضيع بين متاهات الفساد الإداري.

° صحوة مريبة ؟!

تستفيق الاتحادات الرياضية فجأة كما لو أنها تخرج من سبات عميق في أواخر كل عام لا لشيء سوى لإقامة ما يسمى بطولات صحوة مريبة تشبه حركة تاجر يكتشف فجأة بضاعة قاربت على انتهاء صلاحيتها فيسارع إلى التخلص منها قبل إقفال الموسم. الغاية هنا ليست البطولة بحد ذاتها ولا صناعة المنافسة أو بناء الابطال بل غاية واحدة فقط: تصفية حسابات العام وانفاق ما تبقى من عهد وميزانية قبل ان تطوى الصفحة ويفتح دفتر جديد للمهزلة ذاتها...يدور الحديث دائما في حلقة مفرغة من العذر الجاهز: قلة الموازنة. ترفع هذه الذريعة كاكف استجداء وكان الرياضة قدرها المسكنة الدائمة. غير ان السؤال الذي يكشف الحقيقة لو طرح بصدق هو: اين تذهب الميزانيات التي تصرف في هذه البطولات السنوية المرتجلة؟ بطولات تفتقر الى ابسط مقومات العمل الرياضي السليم ..لا تخطيط طويل المدى ولا رؤية واضحة وتحضيرات سريعة ومربكة وتداخل في المواعيد يحول المشهد الى فوضى لا تطاق. والنتيجة مشاركة محدودة ومستوى فني متدن لا يرقى حتى الى مستوى المنافسات الشعبية في الاحياء تلك التي تقام بدافع الشغف الحقيقي للعبة....ما يحدث ليس رياضة بل طقوس لاثبات وجود وهمي لكيانات اتخذت من الاتكالية ثقافة وعجزت قياداتها عن ادارة اي ملف سوى ملف الصرف والاغلاق. الاكثر ايلاما ان هذه المهازل تقام تحت انظار قيادات عليا تحضر الافتتاح والاختتام وتلقي كلمات رنانة عن نهضة رياضية وهي تشاهد بعينها المستوى الهزيل دون ان يصدر منها اعتراض او مطالبة بالمحاسبة. صمت كهذا لا يمكن وصفه الا بالتواطؤ.

لليمن ذاكرة رياضية مشرقة تشهد بان الانجاز كان ممكنا حتى في اقسى الظروف. كانت الرياضة يوما مساحة حقيقية لاحلام الشباب وحققت المنتخبات انتصارات على فرق عربية رغم شح الامكانات لانها كانت تدار بعقلية التخطيط والرؤية.. .اليوم نرى النقيض تماما امكانات مهدرة.. وشباب محبط.. ورياضة تقتل باسم الحفاظ على الميزانيات....وفي المقابل نشهد نجاحا لافتا لعدد من المبدعين اليمنيين في الخارج اولئك الذين اضطروا للهجرة بحثا عن بيئة تحترم موهبتهم وتصونها. وهو اتهام صريح للواقع الداخلي الذي يهمش الكفاءات ويكافئ الروتين والمحسوبية.

لقد آن الاوان لوقف هذه المهزلة المسؤولية الاخلاقية والمهنية تقع بالدرجة الاولى على عاتق وزارة الشباب والرياضة. لم يعد مقبولا ان تظل الوزارة مجرد مشرف صامت او شاهد زور يشارك في الاحتفال على جسد الرياضة اليمنية. المطلوب منها ان تتحول الى جهة رقابية فاعلة ومنظمة حقيقية للعمل الرياضي.

الحل يبدأ بالزام كل اتحاد بوضع خطة سنوية واضحة تعلن مع بداية العام تتضمن برنامجا محددا للبطولات والفعاليات الى جانب خطط بناء القاعدة واكتشاف المواهب. كما يجب ربط اي دعم مالي بالانجاز الفعلي على ارض الواقع وبالمستوى الفني الحقيقي للبطولات لا بمجرد اقامتها شكليا. الدعم يجب ان يكون اداة لتحفيز الجودة والابداع لا مكافأة على اتمام واجب روتيني بلا قيمة...بناء الابطال لا يتم بين ليلة وضحاها ولا عبر بطولات تقام لتصفية ارصدة مالية. بناء الابطال يحتاج الى تخطيط طويل المدى ودعم مستدام ومنافسات حقيقية تشعل روح التحدي وتصقل المواهب ... لقد حان الوقت لاستعادة روح الرياضة الحقيقية، واعادة الكرامة لشبابنا ولاعبينا ووضع حد لاستهلاك الرياضة لمصلحة حسابات ضيقة....فالرياضة امل ولا يملك احد الحق في سرقة هذا الامل من جيل كامل.