كتب / ياسر محمد الأعسم

 أوقفني شاب عدني في الشارع، لا يزيد عمره على خمسة وثلاثين عاماً تقريباً،وسألني:ـ أنت صحفي صح؟. رددت عليه بهزة رأس، وابتسامة مجاملة صغيرة.وبادرني منفعلاً:ـ أنتم الصحفيون كلامكم كله سياسة وبعسسة، فينكم من الناس وأحوالهم التي تصعب على الكافر؟!. كان يغلي ويفور من داخله، ويكاد ينفجر، ومن هندامه وكلامه يبان أنه ابن ناس.قلت له:ـ ممكن تهدأ وتقول لنا إيش في؟.كانت الحمى تسلخنا، ونقطر من الرشح، وشعرت أننا بحاجة إلى شيء بارد يخفف اشتعالنا، ويوقف استنزافنا، ويلطف الأجواء.بعد أن شربنا «قلص ليم»، بدأ الشاب يحكي:ـ كنت في نوبة حراسة على فيلا مسؤول، وفي إحدى الليالي خرجت في وقت متأخر لأرمي القمامة، كانت الكهرباء طافية، والمكان غدرة. وعندما اقتربت من برميل القمامة، شعرت بحركة «خربشة أكياس»، واعتقدت أنهم كلاب أو «بسس».لمحت بنتين، شابة وطفلة صغيرة، يفتشن في أكياس القمامة عن أكل، وأول ما لاحظن وجودي هربن مفجوعات، واختفين بسرعة.ومن فزعتهن وفرارهن عرفت أنهن متعففات لم يردن أن يراهن أحد.أوجعني الموقف، وقسماً إن عيوني دمعت قهراً، فلم أتخيل يوماً أنني قد أصادف مثل هذا المشهد.كنت أسمع كلاماً أن «الناس تموت من الجوع»، وكنت أعتقد أنهم يبالغون، وليس إلى هذه الدرجة. لم يفارق منظر البنتين مخيلتي، وجلست طول الليل أفسر إلى أين وصلت أحوال الناس!.لا تعتقد أنني حساس بزيادة، فأنا زي الناس أتجاهل وأتأقلم وأساير. لكن بعض المواقف تصعقك، وتشعرك أنك فارغ. بلعت ريقي، ووقفت صامتاً، ومهما تكلمت فلن أقول شيئاً، فكلنا نحتاج إلى المواساة.بينما مضى الشاب ولم ينتظر جوابي، وربما أدرك أن المصلحة فوق المشاعر...هذه ليست قصة من وحي الخيال، بل حقيقة ورب الكعبة، وربما تختلف في بعض التفاصيل فقط.هذه حالة واحدة، ومثلها كثير يتكرر في شوارعنا الخلفية كل يوم، يخفيها ظلام المدينة وضمائر ميتة.ما يحدث للغلابة مخيف، والأفظع أن أحداً لا يشعر بهم، يجوعون بصمت، ويموتون ببطء.يقتلنا صراع السياسة أكثر مما تصرعنا الحروب!.هل تألم أحدكم، وشعر أنه صغير؟، فما بالنا بالمسؤولين؟.