طحنت الأزمات الشعب بلا رحمة، وسلطت على البسطاء المعاناة، وعصرتهم حتى لم يعد فيهم ما يمكن عصره. لا سيادة.. لا إنسانية.. لا رواتب.. لا كهرباء.. لا غاز.. لا ضبط للأسعار.. لا توريد إلى البنك المركزي.. لا رقابة.. لا محاسبة.. لا تغيير.. وإنجازاتهم صفر. خلال الأشهر الماضية، اعتقدنا أن الناس قد استأنسوا معاناتهم، ومن شدة عذابهم فقدوا الإحساس بالألم، وباتوا يتعايشون مع قهرهم دون صراخ أو أنين. لكن اليوم بات المواطنون في عدن يعيشون حياة مأساوية بكل ما تعنيه الكلمة، وحتى محاولاتهم للعيش عناداً باءت بالفشل، وأمسى الضعفاء والمرضى يواجهون الموت في بيوتهم. موجة حر مميته، فالأرض تتنفس تحتنا لهباً، والسماء فوقنا تحترق، والبيوت أفران تفور، والحرارة تسلخ الجلود، والرطوبة ترهق الأروح وتزهق الأنفس، والضغط يجعل القلوب تنفجر، فيما تركتهم الحكومة والسلطة في عدن إلى مصيرهم. ليس فشلهم وفسادهم ما يعذبنا ويعاقبنا، بل إن صمتهم وقلة حيلتهم أيضاً يقتلنا، ولا ندري، هل من حقنا أن نسألهم أين تبدأ مسؤوليتهم وأين تنتهي؟. لقد أصبحوا عالة علينا، ويتسلمون رواتبهم وامتيازاتهم مكافأة على معاقبتنا، وحتى شراء ولاءاتهم وصرفة أبواقهم من لحم البسطاء ودمائهم وموتهم. لا يكتفون بتعذيبنا، بل يرسلون ذبابهم يطن ويزن حولنا، ويشوش وعي الناس، حتى نزعوا ثقتهم بعقولهم ومشاعرهم وحقوقهم. ومن قمة السخرية والقهر أن يوهموا الشعب بأنه عدو نفسه، فنعتقد أن معاناتنا قدر وعقاب نستحقه، وأن «كما تكونوا يولى عليكم»، وليست جريمة ترتكب بحق آدميتنا من قبل الشرعية وحلفائها. الشعب أمام امتحان، وقد بات عليه أن يختار، إما أن نظل نحملهم على أعناقنا وزراً أو نلفظهم ونتحرر من معاناتهم. ويؤسفنا أن «الأراجوز» لا يملك قراره، بل إن القرار في الأصابع التي تحرك خيوطه.