أ.د أحمد العرامي *
جاءت بطولة كأس العالم عام 1966 في إنجلترا وسط مناخ دولي اتسم بتصاعد التنافس السياسي بين القوى الكبرى، وكانت الرياضة آنذاك إحدى أدوات إبراز المكانة الوطنية والهيبة الدولية. وقد حرصت الدولة المضيفة على تقديم البطولة بوصفها احتفالاً عالمياً، إلا أن مجريات المنافسات سرعان ما أثارت موجة واسعة من الجدل حول تأثير العوامل السياسية والإدارية في سير المباريات، حتى أصبحت تلك النسخة من أكثر بطولات كأس العالم إثارة للنقاش بين المؤرخين والباحثين في تاريخ كرة القدم.بدأت الشكوك تتزايد منذ الأدوار الإقصائية، حيث تعرضت عدة منتخبات لاتخاذ قرارات تحكيمية أثارت احتجاجات واسعة. وكانت مباراة إنجلترا والأرجنتين في الدور ربع النهائي من أبرز تلك المحطات، بعدما أشهر الحكم الألماني البطاقة الحمراء في وجه قائد الأرجنتين أنطونيو راتين في قرار بقي مثار جدل لعقود طويلة، خاصة أن التواصل بين الحكم واللاعب كان معقداً بسبب اختلاف اللغة، وهو ما أدى إلى سوء فهم وتطور إلى طرد اللاعب. رأت الصحافة الأرجنتينية أن القرار تجاوز الإطار الرياضي، بينما اعتبرته الصحافة البريطانية تطبيقاً للقانون، لتتحول المباراة إلى قضية سياسية وإعلامية تجاوزت حدود الملعب.وفي نصف النهائي، واجهت ألمانيا الغربية منتخب الاتحاد السوفيتي في لقاء حمل بدوره أبعاداً تتجاوز المنافسة الرياضية، إذ جمع بين دولتين تمثلان معسكرين متنافسين في ذروة الحرب الباردة. ورغم أن المباراة انتهت بفوز ألمانيا الغربية، فإنها عكست كيف أصبحت مباريات كأس العالم امتداداً للمنافسة السياسية بين الأنظمة، حيث كانت وسائل الإعلام في الشرق والغرب تقدم نتائج المباريات باعتبارها انتصاراً رمزياً للنظام الذي تمثله المنتخبات.أما المباراة النهائية بين إنجلترا وألمانيا الغربية فقد تحولت إلى واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في تاريخ اللعبة. ففي الوقت الإضافي سدد جيف هيرست كرة ارتطمت بالعارضة ثم هبطت قرب خط المرمى قبل أن تعود إلى أرض الملعب، فاستشار الحكم السويسري مساعده السوفيتي توفيق باخراموف الذي أشار باحتساب الهدف. ومنذ ذلك اليوم ظل الجدل قائماً حول ما إذا كانت الكرة قد تجاوزت خط المرمى بالكامل، إذ لم تكن تقنيات إعادة الفيديو أو تقنية خط المرمى موجودة، وبقي القرار معتمداً على تقدير الحكام وحدهم. وبعد عقود، حاولت دراسات هندسية وتحليلات تصويرية إعادة تقييم اللقطة، إلا أن الخلاف لم يُحسم بصورة نهائية، وهو ما جعل ذلك الهدف واحداً من أشهر القرارات التحكيمية في تاريخ الرياضة.ولم يقتصر الجدل على تلك الواقعة وحدها، إذ شعر عدد من المنتخبات القادمة من خارج أوروبا بأن التحكيم كان أكثر ميلاً إلى المنتخبات الأوروبية خلال البطولة. وقد عبّر مسؤولو أمريكا الجنوبية عن استيائهم من بعض القرارات، معتبرين أن إدارة المباريات افتقرت إلى التوازن. ولم تثبت أي جهة رسمية وجود مؤامرة أو تدخل سياسي مباشر في تعيين الحكام أو توجيه نتائج المباريات، إلا أن تراكم القرارات المثيرة للجدل غذّى شعوراً عاماً بعدم العدالة، ورسخ لدى كثيرين الاعتقاد بأن الدولة المنظمة استفادت من ظروف تحكيمية وإدارية مواتية.ساهمت هذه الأحداث في فتح نقاش عالمي حول ضرورة تطوير منظومة التحكيم وضمان استقلاليتها، وأصبحت بطولة 1966 مرجعاً تاريخياً في كل مرة يُثار فيها الجدل حول أخطاء الحكام. كما شكلت إحدى المحطات التي دفعت الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقاً إلى البحث عن وسائل تقنية تساعد الحكام على اتخاذ قرارات أكثر دقة، وهو المسار الذي انتهى بعد عقود إلى اعتماد تقنية خط المرمى ثم تقنية حكم الفيديو المساعد.وبقيت نسخة 1966 حاضرة في الذاكرة الجماعية بوصفها بطولة امتزجت فيها المنافسة الرياضية بالحسابات السياسية والإعلامية، حيث تحولت قرارات تحكيمية معدودة إلى قضايا دولية، وأصبحت كرة القدم مرآة تعكس طبيعة العلاقات الدولية في تلك المرحلة، مؤكدة أن البطولات الكبرى لا تنفصل عن السياقات السياسية والثقافية التي تُقام في ظلها، وأن تأثير تلك السياقات قد يمتد إلى الطريقة التي تُقرأ بها المباريات وتُفسر بها قرارات الحكام حتى بعد مرور عقود طويلة.
* رئيس جامعة البيضاء