بقلم / أنور الحوثري

سنواتٌ طويلة مضت دون أن نلتقي المعلّق الرياضي العدني الكبير محمد سعيد سالم، حتى خُيّل إليّ أن رحيل صديقنا الحميم، الإعلامي الراحل حسين محمد بازياد، قد سلبه الدافع لزيارة المكلا، عاصمة حضرموت، بعدما كانت محطةً محببة في حياته طوال عقود مضت ..عاد اسم محمد سعيد سالم إلى ذاكرتي وأنا أعيش لحظاتٍ مفعمة بالفرح بلقاء كوكبة من الرياضيين والإعلاميين العدنيين الأفاضل: عمر البارك، ومحمد حسن أبو علاء، وحلمي محفوظ شقيق الكابتن شرف وفضل الجونة، الذين شرّفونا بزيارة كريمة إلى الديس الشرقية، وادي عمر، بدعوة مشتركة منا و من رئيس نادي الشبيبة الأخ وليد علي باعشن، الذي بذل جهداً كبيراً في حسن الاستقبال وكرم الضيافة، بما يليق بمكانة الضيوف وأصالة أهل المنطقة.وفي أجواء موسم البلدة، وبين أحاديث الذكريات التي لا تشيخ، أخذت الأسماء الجميلة تتقافز إلى الذاكرة: حسين بازياد، وعبدالله الهرر، وطاهر باسعد، وعوضين، وغيرهم من وجوه الزمن الجميل. غير أن اسم محمد سعيد سالم ظل الأكثر حضوراً، وكأنه لا يزال يتجول بجوار حسين بازياد في المكلا، يملأ المكان بخفة روحه، وسعة ثقافته، وتعليقاته التي كانت تختصر المشهد كله في جملة واحدة لا يمكن أن تُقال بطريقة أجمل وكنا نستمتع بها بحضور الأخ العزيز انور باعثمان والزميل الراحل عبدالرحمن بلخير والإعلامي الرياضي عبدالله بامؤمن وآخرين. لقد كان محمد سعيد سالم مدرسةً قائمة بذاتها. لم يكن مجرد معلق رياضي، بل كان مثقفاً ذكياَ ولم يزل ، يمتلك لغة آسرة، وذهنية حاضرة، وحساً إنسانياً مرهفاً. كان يعرف كيف ينتقي الكلمة كما ينتقي الصائغ جوهرته، فتأتي عباراته قصيرة، لكنها بالغة الدقة والعمق، حتى أصبحت جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة من المستمعين و المعجبين به.ولعل أكثر ما يؤلم أننا افتقدنا لقاءاته في المكلا كما خذلتنا الظروف وأحالت بيننا وبين زيارته في عدن ، حتى بدا وكأنه يتجنب مواجهة حضرموت بعد غياب حسين بازياد، أو لعل السنوات قد أخذت من مزاجه وتأملاته ما أخذت، فاختار العزلة على ضجيج الحياة.ومحمد سعيد سالم من أولئك النادرين الذين لا يشبههم أحد عصامي حتى النخاع، شديد الحساسية، يحمل قلباً أكبر من احتماله، وربما أثقلته خيبات المراحل اليمنية المتعاقبة، حين اكتشف أن الموهبة وحدها لا تكفي في وطن لا يمنح المبدعين ما يستحقون من تقدير، ولا يعرف الاستقرار الذي يضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.لقد كنا نشعر بوجع قلبه النبيل، ونقرأ إحباطاته بصمت، ولذلك لم نقتحم عليه محراب عزلته طوال تلك السنوات. ربما اختار الصمت، أو وجد في الصلاة والعبادة سكينةً تعوضه عن ضجيج واقعٍ لم يعد يشبه أحلامه. وربما كان يتحاشى لقاء أصدقائه القدامى ومريديه الذين طالما مدّ لهم يد العون حسب استطاعته في نقل معاناتهم لولاة الأمر ، وهو اليوم يشعر بالحرج لأن الظروف العامة صارت أسوأ من ذي قبل ولا في اليد حيلة ، وهو البعيد المترفع عن التسول إلى دوائر السلطة، و لا يملك سوى محبته الصادقة للناس.إن الشوق إلى محمد سعيد سالم ليس شوقاً إلى شخص فحسب، بل إلى زمنٍ كامل، وإلى نموذج إعلامي نادر، جمع بين الثقافة الواسعة، والتميز في التعليق الرياضي، والأخلاق الرفيعة، والروح العدنية الأصيلة التي كانت ترى في المحبة جسراً بين الجميع ، لا وسيلةً للمصلحة.سيظل محمد سعيد سالم واحداً من أولئك الذين لا يغيبون عن الذاكرة مهما طال الغياب، لأن أمثالهم لا تصنعهم المؤسسات، بل تصنعهم الموهبة، والتجربة، ونبل النفس. وما أحوج بلادنا اليوم إلى أن يتكرر هذا النموذج الإنساني والإعلامي الفريد.