_ هذه الصورة مزلزلة للوجدان، وتحمل كماً هائلاً من الألم والقهر يشق الحجر الصورة لرجل مسن، متجرد إلا من بدنه، سجين تعبه وبؤسه، يثقل الهرم انحناءه، متكئاً على عجزه، ويطأطئ رأسه حتى يكاد يسقط عن كتفيه، مناجياً صبره وقهره، وكأنه يسألنا جميعاً ما ذنبي؟. يلملم ما تبقى من عمره في محاولة أخيرة للحياة أو لعل في صدره حشرجة أمنية تنتظر كرامة الموت. ربما هي جلسة استراحة، يستعيد أنفاسه وعقله، فأمثاله لا يختارون حياتهم، حتى إنهم لا يملكون ترف الأشجار في الموت واقفة هذه الصورة جرح كبير مفتوح، يلعن الرئاسة والحكومة والسلطة. و(99٪) من المسؤولين، والقضاة، والصحفيين، والناشطين، و«المفسبكين» الذين تغيرت حياتهم، بينما هذا المسن وملايين أمثاله هم من يدفعون الفاتورة.أكثرنا سيشيحون بأبصارهم حتى لا يؤذيهم بؤسه أو تعديهم أنفاس لهثه بطاقة سلبية. وإن قلنا إن ضمائرهم ستؤنبهم، فإننا نخشى أن نرفع من شأنهم، فلو كانت لهم أفئدة وضمائر، لما كان هذا حالنا. لم يأتوا إلى السلطة من أجله وأمثاله، فمعركتهم سياسية، والفقراء والمقهورون ليسوا ضمن أولوياتهم ثمة شيء لا يغادر وعينا، نزجره فيعود أكثر إلحاحاً، ويتعزز كل يوم. نظن أنهم مكلفون بمهمة سحقنا، وأن يدوسوا على أنف كرامة الناس وبقايا آدميتهم. فالحرية لا تعني أن تعيش من دون أن تحيط بك الأسوار، والجدران أو القضبان. وصورة الرجل الطاعن في السن مرآة تعكس مأساة ملايين أمثاله، المسجونين في زنازين معاناتهم. وأقسى أنواع السجن أن تترك من دون قيود أو أقفاص، وتتوهم أنك حر في وطن مستعبد، تحرسه عصابة من أحقر اللصوص والبلاطجة باسم شرعية الدولة. إن هذه الصورة جلسة صامتة، ودعوة مفتوحة لمحاكمة أحقر البشر الذين تسلطوا على رقاب شعب حر.