✍️ حسيب أمان 

قبل أسابيع قليلة، شاهدت مقطعًا مصورًا لأحد نجوم شعب صنعاء في عصره الذهبي، الكابتن شفيق الكحلاني.أعاد إليّ ذلك المقطع ذكريات سنوات طويلة قضيتها في مدرجات الشعب، واستحضر زمنًا كانت فيه الفانيلة البيضاء تعني لنا الكثير. وشعرت أن من واجبي أن أكتب اليوم عن هذا الرجل، لا لمجرد استعراض مبارياته وبطولاته، وإنما للحديث بصدق عن معنى الحب والوفاء والإخلاص لشعب صنعاء، كما جسّدها شفيق الكحلاني قولًا وعملًا على مدى عقود.وأكتب هذه الكلمات اعتمادًا على ذاكرتي الشعباوية، راجيًا المعذرة إن خانتني الذاكرة في تاريخ أو تفصيل، لكنها بالتأكيد لن تخونني في تذكّر الرجال الذين أحببناهم وعشنا معهم أجمل أيام شعب صنعاء.وفقًا لما تسعفني به الذاكرة، بدأت رحلة الكابتن شفيق مع شعب صنعاء عام 1973 ضمن فريق الأشبال، برفقة شقيقيَّ جلمي وحليم حسن أمان، وكان يشغل آنذاك مركز الظهير الأيمن. ولم تمضِ فترة طويلة حتى تمكن شفيق، برفقة شقيقيَّ، من شق طريقه إلى الفريق الأول، ومن هناك بدأت رحلة طويلة مع الفانيلة البيضاء؛ رحلة لم تنتهِ باعتزال كرة القدم، بل استمرت بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا.ومن أبرز ما يميز شفيق الكحلاني أنه كان من القلة القليلة من اللاعبين على مستوى الوطن الذين امتدت مسيرتهم مع الفريق نفسه عبر ثلاث حقب زمنية؛ من السبعينيات، مرورًا بالثمانينيات، وحتى بدايات التسعينيات.ولم يكن لاعبًا متخصصًا في مركز واحد.بل كان لاعبًا قادرًا على أداء واجبه في أي مركز يحتاجه الفريق إليه؛ فقد لعب في مختلف المراكز باستثناء حراسة المرمى، وكان يؤدي دوره في كل موقع بروح المقاتل الذي لا يعرف أنصاف الحلول.وعندما اعتزل المرحوم الكابتن سالم عبدالرحمن قيادة الفريق عام 1981، انتقلت شارة القيادة إلى الكابتن شفيق، فحملها كما ينبغي أن تُحمل: مسؤولية قبل أن تكون شرفًا، وواجبًا قبل أن تكون لقبًا.قاد السفينة البيضاء بإخلاص وتفانٍ وانضباط داخل الملعب وخارجه، وكان حاضرًا في حقبة حافلة بالإنجازات والبطولات، ومنها بطولات الدوري على مستوى الجمهورية في أعوام 1979 و1980 و1986، وبطولة الكأس عام 1982، إلى جانب بطولات وإنجازات أخرى عاشها مع عمالقة الشعب في تلك السنوات الجميلة.غير أن قصة شفيق مع الشعب لم تكن قصة لاعب وقائد فحسب.فعندما احتاجه الفريق مدربًا، كان المدرب.وعندما احتاجه قائدًا، كان القائد.وعندما احتاجه لاعبًا، كان حاضرًا في الملعب.وفي أوقات كثيرة، اجتمعت عليه مسؤوليات متعددة: لاعبًا، وكابتنًا، ومدربًا، وصانعًا للخطط داخل الملعب.ولا شك أن حجم المسؤولية كان كبيرًا.إلا أن شفيق لم ينظر إليها يومًا بوصفها عبئًا، بل رآها واجبًا تجاه الفانيلة البيضاء التي أحبها وأخلص لها.فالعظماء الحقيقيون لا يحتاجون إلى الضجيج لإثبات عظمتهم؛ إذ يعملون بصمت، ويتركون أعمالهم تتحدث عنهم.وعندما اختير لتمثيل الوطن ضمن صفوف المنتخبات، أدى واجبه الوطني بكل إخلاص، دون أن يتخلى عن مسؤولياته وحبه وانتمائه لشعب صنعاء.أما أنا شخصيًا — وأعوذ بالله من كلمة أنا — فقد كنت من أشد المعجبين بشخصية الكابتن شفيق وكاريزمته القيادية.وأقولها اليوم شهادة للتاريخ:كنت أشعر بالراحة والطمأنينة في المدرجات بمجرد أن أرى شفيق الكحلاني ضمن تشكيلة شعب صنعاء.كان وجوده وحده يمنحك إحساسًا بأن الفريق بخير.كنت أدرك أننا قد نفوز أو نخسر، فهذه هي كرة القدم، لكنني كنت على يقين بأن شعب صنعاء سيقاتل، وسيقدم مباراة تليق باسمه؛ لأن في الملعب قائدًا لا يقبل بأقل من العطاء الكامل.كان يغرس في زملائه روح الانضباط والمنافسة، ويتوقع من كل لاعب أن يقدم 100% طوال التسعين دقيقة.وهذه، في نظري، واحدة من أعظم صفات القائد الحقيقي: ألا يكتفي بأن يكون متميزًا في أدائه، بل يسهم في جعل من حوله أفضل.وللأسف، أشعر أن لاعبًا وقائدًا بحجم شفيق الكحلاني لم يحظَ بما يستحقه من الثناء والتقدير على الدور الكبير الذي أداه في خدمة شعب صنعاء، وفي تطوير الفريق وصقل همم أجيال من لاعبيه على مدى ما يقارب ثلاثة عقود.والأجمل أن الحكاية لم تنتهِ عندما توقف عن الركض خلف الكرة.فها هو اليوم، بعد كل تلك السنوات من العطاء، يواصل خدمة النادي من موقعه أمينًا عامًا، ويشارك زملاءه الكابتن مفضل وجمال عزي وشكيب وعبد الملك محرم، من رفاق أيام العصر الذهبي، بكل ثبات وإخلاص في إدارة شؤون النادي والسعي إلى استعادة أمجاد وإنجازات شعب صنعاء.وهنا تكمن القصة التي أردت أن أكتب عنها اليوم:فشعب صنعاء بالنسبة إلى شفيق الكحلاني لم يكن مباراة تنتهي بعد تسعين دقيقة، ولا موسمًا ينتهي برفع كأس، ولا مسيرة لاعب تنتهي بالاعتزال.بل كان — وما زال — انتماء عمر.وهذا هو الفارق بين من يلعب للنادي، ومن يسكن النادي في قلبه.أخي الأكبر، الكابتن شفيق…شكرًا لك على كل دقيقة ارتديت فيها الفانيلة البيضاء.شكرًا على كل مباراة قاتلت فيها من أجل الشعب، وعلى كل لاعب حفزته، وكل جيل نقلت إليه معنى الانضباط والوفاء.وشكرًا لأنك أثبتَّ لنا أن الاعتزال قد ينهي مسيرة اللاعب داخل المستطيل الأخضر، لكنه لا يستطيع أن ينهي قصة حب حقيقية بين الإنسان وناديه.ستبقى مسيرتك وسلوكك داخل الملعب وخارجه نموذجًا ناصع البياض للأجيال الشعباوية القادمة، وسيبقى اسم شفيق الكحلاني جزءًا أصيلًا من ذاكرة شعب صنعاء وتاريخه.فالسنوات تمضي…والأجيال تتغير…واللاعبون يعتزلون…لكن الوفاء الحقيقي لا يعتزل أبدًا.دمت أخًا كبيرًا، وقائدًا، وشعباويًا وفيًا .