ليست قيمة الكتاب في عدد صفحاته ، ولا في عنوانه ، وإنما فيما يتركه من أثر في الذاكرة ، وما يفتحه من نوافذ على الإنسان والمكان والزمن. ومن هنا تأتي أهمية كتاب *«صرخات قلم»* للأستاذ *عبدربه هشلة ناصر*، الأمين العام للمجلس المحلي بمحافظة شبوة، بوصفه حصيلة تجربة قلم ظل حاضرًا في المشهد الفكري والإعلامي، وقريبًا من قضايا الناس وهموم الوطن.عنوان الكتاب يحمل دلالته بوضوح؛ فهذه *«صرخات»* ليست صخبًا عابرًا، وإنما صرخات وعي، وموقف، ومسؤولية. إنها صرخات قلم اختار أن يقول ما يراه حقًا، وأن يضع النقاط على الحروف، وأن يتناول القضايا من زاوية التوازن والاعتدال، بعيدًا عن المبالغة والضجيج.ومن خلال سنوات طويلة من المتابعة ، تعود بي الذاكرة إلى مرحلة صحيفة "شبوة" عام 2000م، حين كانت مقالات الأستاذ *عبدربه هشلة* حاضرة في صفحاتها ، تحمل أفكارًا وقضايا تستوقف القارئ وتدفعه إلى التأمل. وكنا في هيئة تحرير الصحيفة نتابع ما يكتبه باهتمام وشغف، لأن المقال عنده لم يكن مجرد مساحة للنشر ، بل موقفًا يحمل رؤية وهدفًا ، ورسالة تنطلق من إحساس حقيقي بالمسؤولية.ولعل أبرز ما يميز هذا القلم أنه ظل متصلًا *بنبض* شبوة، يعبر عن هموم أبنائها وتطلعاتهم، ويدعو إلى السلم الاجتماعي، ولمّ الشمل، وتوحيد الكلمة ، وتعزيز مكانة المحافظة ودورها الذي تستحقه.وهذه القيمة تحديدًا هي التي تمنح *«صرخات قلم»* أهميته، فالكتاب لا يقدم مقالات منفصلة عن سياقها، بقدر ما يقدم ذاكرة مرحلة، وملامح فكر، وشهادة قلم على سنوات من التحولات. وهو بذلك يتجاوز اللحظة التي كُتبت فيها المقالات ، ليبقى قابلًا للقراءة في الحاضر ، وفي المستقبل أيضًا.فالكاتب الحقيقي لا يعيش داخل مقاله ، وإنما يبقى فيما يتركه من فكرة. والكلمة الصادقة قد تتأخر في الوصول ، لكنها حين تصل لا تفقد أثرها.وقد كان لي شرف اقتناء نسخة من *«صرخات قلم»*، وأشعر أنني لم أقتنِ كتابًا فحسب ، بل اقتنيت جزءًا من تجربة قلم عاصرنا كتاباته وتابعنا حضورها عبر سنوات طويلة.والتحية والتقدير للرجل الأصيل *أبو صيل*، الذي أسعدني باقتنائه لهذا الإصدار، فمثل هذه المواقف تذكرنا بأن الكتاب ما زال يجد من يقدّر قيمته، وأن الاحتفاء بالكاتب والكتاب هو احتفاء بالثقافة والكلمة والذاكرة مبارك للأستاذ *عبدربه هشلة* *«صرخات قلم»*، ومبارك لشبوة هذا الإصدار الرائع.وفي زمن تتسارع فيه الصورة وتختصر فيه الأفكار في كلمات عابرة ، يأتي هذا الكتاب ليقول ببساطة : *إن الحرف الصادق لا يعلو صوته فقط… بل يطول عمره.*