ليس ردًا على أحد، ولا دفاعًا عن جهة، وإنما محاولة للاقتراب من أوجاع الرياضة اليمنية بقدر من الإنصاف والشفافية، والتمييز بين النقد الذي يكشف الخلل، والتعميم الذي قد يخطئ في تحديد المسؤولية، وبين تشخيص المشكلة والبحث الجاد عن حلولها.أترك لكم المقال كاملًا… فالاختلاف في الرأي لا يفسد للرياضة قضية." حين يكون الوجع حقيقيًا… لكن التشخيص ليس دقيقًا "من منطلق اهتمامي وشغفي بالعمل الشبابي والرياضي، وهو ما جعلني أحرص، قدر الإمكان، على متابعة الكثير من المقالات والمنشورات التي تتناول واقع الرياضة اليمنية، وما تعانيه من أوجاع واختلالات، وما يُطرح من رؤى وحلول للنهوض بها واستعادة دورها.ومن هنا، أود أن أتقدم بالشكر والتقدير لكل من يكتب وينشر ويتحدث عن واقع الرياضة اليمنية، بدافع الاهتمام والحرص عليها، لأن مجرد إثارة قضاياها وطرح أوجاعها للنقاش يمثل في حد ذاته موقفًا إيجابيًا، خصوصًا في ظل واقع رياضي يحتاج إلى الكثير من الاهتمام والمراجعة والإصلاح.لكن اسمحوا لي أن أطرح رأيًا بكل مصداقية وشفافية، وليس ردًا على أي مقال أو منشور بعينه، ولا على كاتبه؛ بل هو رأي مستقل نابع من متابعتي لما يُكتب عن الرياضة اليمنية، ومن قناعتي بأننا جميعًا، رغم اختلاف أساليبنا وزوايا نظرنا، نبحث في النهاية عن هدف واحد: رياضة يمنية أفضل وأكثر قدرة على خدمة الشباب والرياضيين وتمثيل اليمن بصورة تليق بها.وأنا أتفق مع كثير مما يُطرح في تلك المقالات والمنشورات، خصوصًا عندما تتناول الأوجاع الحقيقية التي تعيشها الرياضة اليمنية، من ضعف النشاط والمسابقات، وتراجع مستوى الأداء، وغياب التخطيط، وضعف الإمكانات، وتضرر البنية التحتية، ومشكلات الإدارة والتمويل، وغيرها من الملفات التي لم تعد بحاجة إلى إخفائها أو تجميلها.لكن ما أود التوقف عنده هو طريقة تشخيص هذه الأوجاع وتحديد المسؤولية عنها.فبعض ما يُكتب عن الرياضة اليمنية ينجح في وصف المشكلة، لكنه أحيانًا يخلط بين النقد المهني المشروع وبين التعميم والاتهام، وأحيانًا أخرى تُصب المسؤولية كاملة على شخص بعينه أو جهة بعينها، وكأن اختلال منظومة رياضية كاملة يمكن اختزاله في شخص أو اتحاد أو مؤسسة واحدة.وهنا أعتقد أن علينا أن نكون أكثر دقة.فالمطلوب ليس الدفاع عن الأندية أو الاتحادات لمجرد أنها أندية أو اتحادات، كما أنه ليس من الإنصاف مهاجمتها لمجرد وجود اختلالات في بعضها.المطلوب هو تشخيص الخلل، وتحديد أسبابه، ووضع المسؤولية في مكانها الصحيح، ثم المطالبة بالإصلاح والمساءلة." لا نختلف على وجود الوجع… لكننا قد نختلف في تشخيصه "لا أعتقد أن هناك من يستطيع أن ينكر حجم المشكلات التي تعاني منها الرياضة اليمنية.هناك أندية تعاني، واتحادات تواجه صعوبات، ومنشآت رياضية تحتاج إلى إعادة تأهيل، ومسابقات توقفت أو تراجعت، ولاعبون يفتقدون إلى الاستقرار والمنافسات المنتظمة، ومدربون وحكام يحتاجون إلى التأهيل والتطوير، وموارد مالية محدودة، إلى جانب آثار سنوات طويلة من الحرب والظروف الاستثنائية التي تركت آثارًا عميقة على مختلف قطاعات الحياة، ومنها القطاع الرياضي.إذن، المرض موجود، ولا جدوى من إنكار ذلك.لكن الخلاف الحقيقي يجب أن يكون حول:ما أسباب المرض؟ومن المسؤول عن كل سبب؟ وما حجم مسؤولية كل جهة؟ وما الذي تستطيع فعله؟وما الذي يتجاوز صلاحياتها وإمكاناتها؟ وهنا يأتي الفرق بين النقد الذي يساعد على الإصلاح، والنقد الذي يكتفي بإطلاق الأحكام." الحرب تفسر الكثير… لكنها لا تفسر كل شيء "من غير المنطقي أن نتحدث عن واقع الرياضة اليمنية بمعزل عن الظروف التي مرت بها البلاد.فالحرب تركت آثارًا مباشرة على المنشآت، والتمويل، والتنقل، والمسابقات، والمنتخبات، والأندية، واللاعبين، وغير ذلك.لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول الظروف الاستثنائية إلى مبرر دائم لتعطيل كل شيء.فحتى في أصعب الظروف يمكن التخطيط، ويمكن تحديد الأولويات، ويمكن إقامة ما هو ممكن من البطولات، ويمكن اكتشاف المواهب، ويمكن تأهيل المدربين والحكام، ويمكن تطوير العمل الإداري، ويمكن إصدار التقارير، ويمكن تعزيز الشفافية.الحرب قد تفسر عدم القدرة على تنفيذ برنامج، لكنها لا تبرر غياب الخطة، ولا غياب التقييم، ولا غياب الشفافية.وهذا ينطبق على الجميع." لا تجعلوا كل الاتحادات نسخة واحدة "من أكثر الأخطاء التي ينبغي الحذر منها التعامل مع الاتحادات الرياضية وكأنها كيان واحد متطابق في الأداء والظروف والإمكانات.فالألعاب الرياضية تختلف في طبيعتها، وعدد ممارسيها، وانتشارها، ومواردها، ودعم اتحاداتها الدولية، وحجم مشاركاتها، وإمكانات أنديتها.وقد يكون اتحاد ما قادرًا على تنفيذ برامج لا يستطيع اتحاد آخر تنفيذها، ليس بالضرورة بسبب سوء الإدارة، وإنما بسبب اختلاف الموارد والإمكانات وطبيعة اللعبة.وفي المقابل، قد يكون هناك اتحاد يمتلك إمكانات جيدة لكنه لا يحقق النتائج المطلوبة.ولهذا فإن الحكم العادل لا يكون بالتعميم، وإنما من خلال المؤشرات والبيانات والنتائج."دعوا الأرقام تتحدث"إذا أردنا فعلًا أن نعرف أي الاتحادات يعمل وأيها مقصر، فلا نحتاج إلى الشتائم، ولا إلى التلميحات، ولا إلى إطلاق الأوصاف.نحتاج إلى أن نسأل كل اتحاد: كم بطولة أقمت خلال العام؟ كم لاعبًا تم تسجيله وتنشيطه؟ كم موهبة جديدة اكتشفت؟ كم منتخبًا أو فريقًا وطنيًا تم إعداده؟ كم معسكرًا أقمت؟ كم مدربًا وحكمًا تم تأهيله؟ كم مشاركة خارجية تمت؟وما نتائج تلك المشاركات؟ كم حصل الاتحاد من دعم محلي أو خارجي؟ وأين ذهبت هذه الموارد؟ وما الذي أنجزه من خطته السنوية؟وما الذي لم يستطع إنجازه؟ ولماذا؟ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا من العمل الرياضي المؤسسي، فلن نحتاج إلى أن نصف اتحادًا بأنه «صامت» أو «غائب»؛ لأن تقريره السنوي سيكشف مستوى نشاطه بكل وضوح. " المسؤولية يجب أن تكون بحجم الصلاحية" من الأخطاء الشائعة أن نحمل جهة واحدة مسؤولية كل ما يحدث في الرياضة. فوزارة الشباب والرياضة لها مسؤولياتها، واللجنة الأولمبية لها مسؤولياتها، والاتحادات لها مسؤولياتها، والأندية لها مسؤولياتها، والسلطات المحلية لها أدوارها، وكذلك الجهات الداعمة والقطاع الخاص والإعلام والكوادر الرياضية نفسها.ولا يمكن أن نطالب جهة بما لا تملك صلاحية القيام به، كما لا يجوز أن نعفي جهة من مسؤوليتها وهي تملك الصلاحية والموارد اللازمة.المعادلة العادلة بسيطة: الصلاحية تقابلها مسؤولية، والمسؤولية تقابلها مساءلة.وهذا هو جوهر العمل المؤسسي." النقد مطلوب… لكن علينا أن نرفع مستوى النقد " أنا مع النقد، بل أراه ضرورة.وأعتقد أن الرياضة اليمنية تحتاج إلى المزيد من الأصوات التي تتحدث عنها وتكشف مواطن الخلل فيها.لكنني أتمنى أن ننتقل من مرحلة:"هذا فاشل… وهذا مقصر… وهذا لا يعمل… وهذا سبب المشكلة"إلى مرحلة أكثر نضجًا:هذا هو الخلل، وهذه أسبابه، وهذه الجهة المسؤولة عنه، وهذه حدود مسؤوليتها، وهذه الحلول المقترحة، وهذه مؤشرات قياس النجاح. هنا يتحول النقد إلى أداة إصلاح.أما الاكتفاء بتبادل الاتهامات، فلن يعيد بطولة، ولن يكتشف موهبة، ولن يؤهل مدربًا، ولن يصلح منشأة، ولن يبني مؤسسة." لسنا بحاجة إلى تبرئة أحد… ولا إلى إدانة الجميع."الهدف من الحديث عن الرياضة اليمنية ليس تبرئة الاتحادات، ولا الدفاع عن الأندية، ولا مهاجمة الوزارة، ولا تحميل شخص بعينه مسؤولية كل ما حدث." الهدف أكبر من ذلك. "نحن بحاجة إلى إصلاح المنظومة الرياضية بأكملها.وإذا كان هناك اتحاد مقصر، فليُحاسب وفقًا للأنظمة واللوائح.وإذا كان هناك مسؤول نجح، فيجب أن يُنصف ويُدعم.وإذا كانت هناك جهة لا تملك الإمكانات الكافية، فيجب أن تحصل على ما تحتاجه أو يعاد النظر في أولوياتها.وإذا كانت هناك تشريعات تعيق العمل، فيجب إصلاحها.وإذا كانت هناك موارد لا تُدار بكفاءة، فيجب إخضاعها للرقابة والمساءلة.لا نريد محاكمات إعلامية… نريد مؤسسات قوية.الرياضة اليمنية تحتاج إلى مشروع إنقاذ وإصلاح:في تقديري، لم تعد الرياضة اليمنية بحاجة إلى حلول ترقيعية أو ردود أفعال موسمية.إنها بحاجة إلى مشروع وطني واضح للإصلاح الرياضي، يبدأ بتشخيص الواقع، ثم تحديد الأولويات، وإعادة بناء الحوكمة، وتطوير التشريعات، وتنظيم التمويل، وإعادة تأهيل المنشآت، واستعادة المسابقات، وبناء قاعدة الناشئين، وتأهيل المدربين والحكام، وتعزيز الشفافية والمساءلة.وعندها فقط يمكن أن ننتقل من السؤال:"من نلوم؟" إلى السؤال الأهم:"كيف نُصلح؟" فأنا لا أرى أن مشكلة الرياضة اليمنية هي في غياب الأشخاص فقط، وإنما في غياب المنظومة التي تجعل النجاح ممكنًا، والتقصير قابلًا للقياس والمساءلة، والموهبة قادرة على الوصول، والموارد موجهة إلى أهداف واضحة. وفي النهاية، أقول لكل من يكتب عن الرياضة اليمنية، وينتقد، ويكشف، ويقترح: واصلوا الكتابة… فالرياضة بحاجة إلى أصواتكم. لكن لنجعل نقدنا أكثر دقة، واتهاماتنا أكثر مسؤولية، ومعلوماتنا أكثر توثيقًا، وحلولنا أكثر واقعية.فقد نختلف في التشخيص، وقد نختلف في تحميل المسؤوليات، وقد نختلف في الوسائل…لكن لا ينبغي أن نختلف على الهدف:أن نرى رياضة يمنية أقوى، ومؤسسات رياضية أكثر كفاءة، وأندية أكثر نشاطًا، واتحادات أكثر فاعلية، ولاعبين يجدون حقهم في التدريب والمنافسة، ومواهب تجد طريقها إلى المنتخبات، وشبابًا يجدون في الرياضة مساحة للأمل والإنجاز.فالرياضة لا تُصلح بالصمت، ولا تُبنى بالصراخ… وإنما تُبنى بالمؤسسة، والتخطيط، والشفافية، والعمل، والنتائج.أتمنى أن أكون قد وُفِّقتُ في الطرح، وأن أكون قد أسهمتُ ولو بقدرٍ يسير في فتح نقاشٍ جاد حول واقع الرياضة اليمنية وسبل النهوض بها.