كنا نظن أن شراكة الانتقالي والشرعية هي أحقر حقبة سياسياً وأخلاقياً، لكن بعد أحداث يناير أصبحنا نغرق في مستنقع الحقارة ذاته. اليوم نعيش في أوسخ وأقبح وأوقح وأبلد مرحلة، وكل ما يمكن أن تتصوره من قذارة يطفح على سطح واقعنا. الذين لفلفهم عيدروس، وهشكهم سنين في «هندوله»، وجعلهم قادة، باعوه في أول سوق. والذين نهجوا خط الإمارات، ولهطوا من «عيال زايد الخير»، برنة طيروهم إلى الرياض، واليوم مطبرون عند لجنة السفير. وكثير من الذين اعتقدنا أنهم اختاروا النجاة بشرفهم طوعاً، وحسبناهم من «إلا من رحم ربي»، لم يفوتوا الفرصة هذه المرة، وانخرطوا في الوساخة. تسابقوا إلى بيع أنفسهم، وكل رأس بحسابه، وبات العرض أكثر من الطلب، وصارت عدن سوقاً لأرخص المواقف، والذي ما يشتري يتفرج!. الانتهازيون صاروا يعلقون على صدورهم الأوسمة، والمرتزقة يكرمون بالسلطة، والتافهون أصواتهم مسموعة. لسنا في غاية المثالية، ومازلنا بشراً نملك إحساساً ووعياً، ونميز بين التوعية والمتاجرة بآلام البسطاء. ولا ندعي الوصاية على الآخرين، ولا تزعجنا آراؤهم أو اختلافهم. لكننا نستذكر مواقفهم، ونمر على صفحاتهم وتغريداتهم التي تفضحهم، ولم يعد يخفى على أحد تقلبهم وكذبهم وزيفهم.بعضهم لا يكتب للشعب، ولا ينشر رأفة بمعاناة الناس بوصفها أولوية، بل يتحركون كخلية واحدة، وينشرون بأوامر من جبهة إعلامية خاصة. كان بعضهم في الساحة يصرخون «أعلنها دولة سيدي الرئيس القائد»، واليوم يفرحون شماتة فيه، في مواقف تشمئز منها حتى الحقارة!. بأي دم يعيشون، وعلى أي ملة يصلّون؟، لو كانوا يغتسلون ببول كلب ما بلغت نجاستهم هذا الحد. في الأمس كان الرئيس العليمي شيطاناً يستحق الرجم، واليوم يرون فخامته ملاكهم وسيدهم، ويبوسون (...). البارحة كانت السعودية عدواً غدر بأبنائهم، وكانوا يعتبرون المساومة بدمائهم مقابل «قرطاسين تمر» إهانة. واليوم أصبحوا دلدول السفير، وإن صفعتهم بالحذاء، صاح الحذاء نشر أحدهم عن لقائه بزميله المهاجر، الذي نصحه أن «يتقرصله» ويعيش لنفسه وأسرته، فالوطنية بضاعة خاسرة يبيعونها للساذجين والفقراء. ثم شكره على «نصيحة العمر»، وكأنه يوصي الناس بالارتزاق!. بالله عليكم، بأي منطق نصدقهم، ونأتمنهم على مستقبل البلاد وأحلام العباد؟. نرى دكاترة ومدرسين يلقنون طلابهم شرف مهنة الصحافة وقدسيتها، ونجدهم اليوم يخوضون مع الخائضين، ويبيعون مع البائعين.الكذابون والسفهاء لا تقبل شهادتهم شرعاً، فلا تتركوا هؤلاء يقودونكم، ويقررون مصيركم، ويدمرون وعيكم، وينالون من قيمكم وأخلاقكم. يا خوفي من المرحلة القادمة، فقد لا نجد شيئاً عليه قيمة نبيعه!. الله يخزيكم، فقد أخزيتمونا في الداخل والخارج.