بقلم / أ.د أحمد العرامي *

بلغت الإثارة الكروية ذروتها في الثاني عشر من يوليو عام 1998م حين استعد ملعب فرنسا الدولي لاحتضان المواجهة الختامية لبطولة كأس العالم بين المنتخب البرازيلي حامل اللقب ونظيره الفرنسي صاحب الأرض والجمهور. اعتمدت الآمال البرازيلية بشكل كامل على المهاجم الفذ رونالدو الذي قدم طوال منافسات البطولة أداءً استثنائياً وبدا في قمة استعداده البدني والفني لتتويج جهوده باللقب العالمي الثاني على التوالي. تلبدت سماء المعسكر البرازيلي بالغيوم قبل ساعات معدودة من انطلاق صافرة البداية إثر تعرض رونالدو لنوبة تشنجات غامضة ومروعة داخل غرفته في فندق الإقامة، مما أثار حالة من الهلع والصدمة العميقة بين زملائه في الفريق وأربك الحسابات الفنية بأكملها. اتخذ الجهاز الفني والطبي قراراً متخبطاً باستبعاد اللاعب من التشكيلة الأساسية المبدئية، ثم رضخ لضغوط اللحظات الأخيرة وأعاده للقائمة بناءً على رغبته الشخصية ونتائج الفحوصات الطبية المتسرعة، لتنزل البرازيل إلى أرض الملعب كجسد مهتز مثقل بالقلق على صحة نجمها الأول وتائهة على الصعيدين التكتيكي والنفسي. في المقابل، تسلح المنتخب الفرنسي بقيادة المدرب إيمي جاكيه بثقة هائلة وإيمان مطلق بحتمية إبقاء الكأس الذهبي في العاصمة باريس، مستنداً إلى منظومة دفاعية حديدية وحالة من الانسجام التام بين خطوط الفريق والمساندة الجماهيرية الجارفة. تجلت هذه الثقة الفرنسية العارمة منذ الدقائق الأولى للمباراة من خلال السيطرة الميدانية المطلقة والضغط الهجومي المكثف الذي استغل حالة انعدام التوازن للخصم، وأثمر عن هدفين تاريخيين برأسية النجم زين الدين زيدان قبل نهاية الشوط الأول. استمر الفرنسيون في تطبيق خطتهم الاستراتيجية بصرامة بالغة طوال الشوط الثاني، واكتمل المشهد الدرامي بتسجيل إيمانويل بيتيه الهدف الثالث مؤكداً تفوقاً فرنسياً كاسحاً جاء نتيجة تخطيط محكم واستعداد ذهني فائق استثمر الانهيار المفاجئ للمنظومة البرازيلية. توجت فرنسا بلقبها المونديالي الأول وسط احتفالات صاخبة عمت أرجاء البلاد، لتبقى تلك الليلة عالقة في ذاكرة التاريخ الرياضي كواحدة من أكثر المباريات النهائية تعقيداً وغموضاً، حيث تداخلت فيها الطوارئ الطبية الصادمة مع الجاهزية التكتيكية الصارمة، ورسمت مشهداً يجمع بين فرحة فرنسية طاغية وانكسار برازيلي مفجع تسبب فيه مرض غامض سلب "الظاهرة" قوته المعهودة في أهم محطات مسيرته الكروية.

 

* رئيس جامعة البيضاء