حين تتهيأ صنعاء لفتح ابواب ملعب الشهيد الظرافي فهي لا تستعد لقص شريط على بوابة منشأة رياضية فحسب بل تفتح نافذة واسعة على ذاكرتها وتستدعي فصولا كاملة من الحكايات التي كتبت على وقع الاقدام فوق المستطيل الاخضر وعلى ايقاع الهتافات التي طالما ارتفعت من المدرجات حاملة احلام اجيال تعاقبت ولم ينطفئ في صدورها وهج الشغف ان عودة هذا المعلم الرياضي العريق بحلته الجديدة تمثل لحظة رمزية تتجاوز حدود الحدث العابر لتغدو اعلانا صريحا بان الرياضة في صنعاء كانت وستظل مساحة للحياة وفسحة للامل ومرآة لروح مدينة تعرف كيف تتمسك بملامحها الاصيلة مهما اشتدت الظروف.ملعب الشهيد الظرافي لم يكن يوما مجرد مساحة تقام عليها المباريات بل كان ذاكرة تمشي على قدمين على ارضيته تعلم الصغار كيف يراوغون الخوف قبل الخصم وكيف يركضون خلف الكرة كما لو انهم يطاردون احلامهم الشخصية من مدرجاته انطلقت صيحات الفرح وفي زواياه سالت دموع الخسارة التي تحولت مع الزمن الى دروس في الصبر والاصرار هنا تشكل وعي رياضي كامل ونمت مواهب صارت لاحقا نجوما في وجدان الجمهور وهنا ادرك كثيرون ان كرة القدم ليست لعبة عابرة بل لغة مشتركة تختصر المسافات بين الناس وتوحدهم تحت راية المنافسة الشريفة.بدا الملعب ترابيا بسيطا كما بدات كرة القدم في اليمن صادقة بلا تعقيد ولا امكانات تذكر لكن بايمان عميق بان الشغف وحده قادر على صنع المعجزات الصغيرة ومع مطلع الالفية حين اكتسى بالعشب الطبيعي بدا وكأن صنعاء تدخل مرحلة جديدة من الطموح الرياضي مرحلة تحمل وعدا بمستقبل اكثر اشراقا للكرة اليمنية غير ان السنوات اللاحقة بما حملته من تحديات واهمال وظروف قاسية تركت اثرها على المكان فتراجع البريق وخفتت الاصوات وبدا الملعب الذي كان يوما مسرحا للافراح شاهدا صامتا على غياب طال انتظاره.اليوم ومع اعادة التأهيل الشاملة التي طالت ارضيته بالتعشيب الصناعي ومدرجاته بتركيب المقاعد وبنيته العامة بالتحسين والتطوير يستعيد الشهيد الظرافي شيئا من هيبته ويستعيد معه جمهور صنعاء مساحة طال الشوق اليها ليست المسالة في نوع العشب ولا في عدد المقاعد الجديدة بل في الرسالة الكامنة خلف هذا الجهد رسالة تقول ان الرياضة ليست ترفا يؤجل بل حاجة مجتمعية اصيلة وان صيانة الذاكرة لا تقل اهمية عن تشييد الغد فالملاعب في جوهرها ليست خرسانة وحديدا بل منصات تبنى عليها قيم الانتماء والعمل الجماعي والالتزام وتصقل فيها شخصيات الشباب وهم يتعلمون معنى الفوز والخسارة بروح واحدة.تتزامن هذه العودة مع انطلاق بطولة الشهيد الرئيس صالح الصماد الثانية لكرة القدم للوزارات والهيئات والمؤسسات في مشهد يجمع بين البعد الرياضي والبعد الرمزي صافرة البداية لن تكون مجرد اشارة لانطلاق مباراة بل اعلانا عن استعادة ايقاع افتقدته العاصمة طويلا وبين حماس اللاعبين وتشجيع الجماهير يتجدد الايمان بان المنافسة الشريفة تظل اجمل لغة يمكن ان تجمع المختلفين تحت سقف واحد وان الملاعب حين تدار بحكمة وتصان باحترام تتحول الى فضاءات لتعزيز الروح الوطنية والى مدارس مفتوحة يتعلم فيها الجميع كيف يكون الانتصار مسؤولية وكيف تكون الخسارة بداية لمحاولة اخرى.ومع كل ما تحقق يبقى الطموح اكبر من منجز واحد فالشهيد الظرافي بما يحمله من تاريخ عريق يستحق استكمال تحديث منصة التعليق وتطوير المقصورة الرئيسية وتحسين منظومة الاضاءة بما يليق بمكانته في وجدان الرياضيين فالعناية بالتفاصيل ليست ترفا جماليا بل هي الفارق بين افتتاح احتفالي عابر وملعب يعيش طويلا في ذاكرة الناس يحتضن بطولات جديدة ويشهد على ولادة نجوم قادمين.ان عودة ملعب الشهيد الظرافي تقول شيئا ابعد من كرة القدم تقول ان صنعاء قادرة على ان ترمم ما تضرر وان تعيد الاعتبار لرموزها وان تمنح شبابها سببا اضافيا للايمان بان الغد يمكن ان يكون افضل بين مدرج يمتلئ ولاعب يركض وطفل يحدق في المستطيل الاخضر بعينين تلمعان بالحلم تتشكل حكايات جديدة ستروى كما رويت حكايات الامس فالظرافي لا يعود كمكان فحسب بل كهوية رياضية متجددة وكوعد مفتوح بان التاريخ ما زال يكتب هنا في قلب العاصمة وان نبض الكرة سيظل شاهدا على مدينة تعرف كيف تحيا بالامل وتنتصر بالشغف.